فن قيادة المتمرد

فن قيادة المتمرد

يحكى أنه في قديم الزمان كان هناك جيش على رأسه قائد يتمتع بالحكمة وحب وطاعة جنوده إلا جنديا واحدا

كان القائد إذا تحدث أنصت الكل له إلا هذا الجندي أشاح بوجهه وأخذ يتمتم، وكان دائم الافتعال للمشكلات على لا شيء، 

 واعتاد أن يشكو من كل شيء. 

وكم مرة نصح الناصحون القائد  بأن يستل سيفه ويفصل رأس صاحبنا عن جسده. 

أو حتى ينزع عنه سلاحه ويقصيه وكان القائد الحكيم يرفض ذلك وكان رده على الناصحين له “تحلوا بالصبر.”

وفي يوم من الأيام دار هذا النقاش بين القائد وكبير الحرس 

  كبير الحرس: أي صبر مع من لم يتحلى بالصبر يوما أثناء الحديث، مع من يرى نفسه فوق الجميع؟ اسمح لى يا سيدى 

أنت تتهاون في حقك معه، بل في حقنا جميعا، فعلى القائد الأمر، وعلى الجنود السمع والطاعة.

القائد: كيف تراني؟

كبير الحرس : أراك قائدا حكيما 

القائد : كيف تراه ؟

كبير الحرس : أراه متمردا، متذمرا، أحمق .

القائد : كيف ترى نفسك؟ 

كبير الحرس : أراني تابعا لك بكل فخر .

القائد : اذهب واحضره.

حضر الجندي وقد بدا على وجهه علامات التذمر 

القائد: ما بك يا فلان؟

الجندي: نفد الماء، أين من يقومون على إحضاره، ألا يعلمون أننا قد نموت عطشا؟

القائد: معك حق، ما رأيك أنا أرى أنك أكفأ منهم، اذهب أنت وأحضر الماء.

ذهب الجندي وقد ملكه غروره، ولكنه لم يستطع الوصول إلى البئر، فعاد مسرعا خوفا من أن يضل الطريق.

دخل على القائد قائلا: لقد أرسلتني لإحضار الماء، وهذا ليس بعملي، فأنا جندي أجيد القتال لا حمل الماء.

القائد: إذا أنت أفضل من تحرس خيمتي. ما رأيك في أن تكون كبير الحرس؟

الجندى: بالتأكيد، فهذا هو عملي،أنا محارب ابن محارب، بطل في ساحات القتال.

ثم تولى الجندي رئاسة الحرس، وظل يوما كاملا يحرس القائد إلى أن قام اثنان من الجنود بالمبارزة بهدف التسلية وإظهار المهارة.

وما إن رأى أحدهم ينقض على الآخر ليعلن فوزه، حتى ترك الخيمة وذهب يبارز المنتصر وفي باله أن يظهر للكل بطولته. و أثناء المبارزة سمع صراخا .

فنظر فإذا بالقائد خارج الخيمة وقد لف أحد الملثمين ذراعه حول رقبته وفي يده الأخرى سكينا وهدد بنحره، فخر الجندي على الأرض يبكي، هنا رفع الملثم الغطاء عن وجهه فإذا به كبير الحرس السابق. 

فقال القائد للجندي: للمرة الثانية أيها الجندي تفشل فيما طلبته منك. فلمَ الشكوى والتذمر والسخرية من غيرك ؟

فرد الجندي : أتدري لمَ يا سيدي؟ لأنني أتمتع بصفات القائد القوي الهمام الذي يضع هدفه ويصل إليه. أنا ولدت لأفكر 

وأخطط وأرسم وأضع الأهداف وأصل إليها بقوة لا بضعف وتردد.

هنا هم كبير الحرس السابق أن يغرس السكين في صدره، فمنعه القائد قائلا: تحلى بالصبر.

ثم استطرد قائلا: إذن نقسم البلد نصين، أنا يتبعني نصف الجيش ويرتكز حول خيمتي، وأنت النصف الآخر يتبعك إلى خيمتك وينفذ اوامرك .

وامتثل الجميع لأمر القائد.

وأثناء الليل هبت عاصفة قوية واحتاج الكل لإشعال النار للتدفئة وإلا سيموت منهم عدد كبير.

خرج القائد المتمرد بجيشه وطلب من جنوده صارخا إشعال النار، بينما تقدم القائد الحكيم جيشه ببطء نحو أشجار الغابة وقاموا بإشعال نار خافتة.

نظر القائد المتذمر إلى النار الخافتة وقال ساخرا : أهذه هي ناركم؟ هل ترى؟ هذا ما كنت أتحدث عنه  هدفي أعرفه وأصل إليه.

وبعد مرور نصف ساعة بدأت النار العالية التي اشعلها جيش القائد المتمرد تنتشر في كل شيء، في الشجر والعتاد ولم يستطع أن يطفئها جيش المتذمر إلا بمساعدة القائد الحكيم وجيشه.

نظر الجندي المتذمر إلى القائد الحكيم بعد أن أنهك الجيش في إخماد النار قائلا: أنا لم أخلق لشيء، فشلت فى كل شيئ.

فرد القائد الحكيم: بل خلقت لتتعلم، وتذكّر دائما أن تتحلى بالصبر.

26 - سبتمبر - 2022

جميع الحقوق محفوظة لموقع 7 اهداف